الشيخ محمد رشيد رضا

236

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أنه يفعلها بمحض قدرته التي هي عين قدرة الخالق سبحانه لحلوله فيه واتحاده به بزعمهم ، وآيات موسى بمحض قدرة اللّه وحده ، ولم يفطنوا لاتباع عيسى لموسى في شرعه ( التوراة ) إلا قليلا مما نسخه اللّه على لسانه من إحلال بعض ما حرم عليهم بظلمهم عقوبة لهم ، ومن تحريم ما كانوا عليه من الغلو في عبادة المال والشهوات ومثل النصارى في هذا من يفتنون من المسلمين بعبادة الصالحين بدعائهم في الشدائد لاعتقادهم أنهم يدفعون عنهم الضر ويجلبون لهم النفع بالتصرف الغيبي الخارج عن سنن اللّه في الأسباب والمسببات الداخل عندهم في باب الكرامات ، وهو خاص بالرب تعالى ، ولكنهم لا يطلقون على أحد منهم اسم الرب ولا الا له ولا الخالق ، إذ الأسماء اصطلاحية ، وانما الفرقان بين الخالق والمخلوق والرب والمربوب أن الرب الخالق هو القادر على النفع والضر لمن شاء وصرفهما عمن شاء بما يسخره من الأسباب وبدونها ان شاء - وان المخلوق المربوب هو المقيد في أفعاله الكسبية الاختيارية في النفع والضر بسنن اللّه تعالى في الأسباب والمسببات التي سخرها تعالى لجميع خلقه ، ولكنهم يتفاوتون في العلم والعمل بها كما يتفاوتون في الاستعداد لها بقوى العقل والحواس والأعضاء وفي وسائلها ، وقد بلغ البشر بالعلم والعمل الكسبيين من المنافع ودفع المضار ما لم يعهد مثله لاحد من خلق اللّه قبلهم لا الأنبياء ولا غيرهم ، لان الأنبياء المرسلين لم يبعثوا لهذا وإنما بعثوا لهداية الناس إلى معرفة اللّه وعبادته وتهذيب أخلاقهم بها . فمنافع الدنيا لا تطلب منهم أحياء ولا أمواتا ، وانما تطلب من أسبابها . وما وراء الأسباب لا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل . وقد قتل الظالمون بعض الأنبياء والأولياء ، وآذوا بعضهم بضروب من الايذاء ، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم . ولذلك تكرر في القرآن الحكيم نفي هذا النفع والضر عن كل ما عبد ومن عبد من دون اللّه بالذات أو بالشفاعة عند اللّه تعالى كما قال ( 10 : 18 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) الآية ومثلها آيات ، وأمر خاتم رسله أن يعلم الناس ذلك كما فعل من قبله من الرسل فقال ( 7 : 188 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) وقال